ما مدى امكانية التصالح فى قضايا المال العام بعد تعديل المادة 18 من قانون الإجراءات الجنائية؟
حيث تنص
المادة 18 من قانون الاجراءات الجنائية المعدلة مكرر ب : "يجوز التصالح في الجرائم
المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات ويكون التصالح بموجب
تسوية بمعرفة لجنة من الخبراء...." (1)
وتنص المادة 115
من قانون العقوبات "لا تتحقق إلا إذا استغل الموظف العام أو من في حكمه وظيفته
وحصل أو حاول أن يحصل لنفسه أو لغيره بدون حق على ربح أو منفعة من عمل من أعمال وظيفته
، ويقتضى قيامها أن تتجه إرادته إلى الحصول على ربح أو منفعة لنفسه أو لغيره بدون حق
من وراء أحد أعمال وظيفته مع علمه بذلك ...."
حيث ان من المقرر
أن جريمة تسهيل الاستيلاء بغير حق على مال لإحدى الجهات المبينة في المادة 119 من قانون
العقوبات المنصوص في المادة 113 من هذا القانون تقتضي وجود المال في ملك أي من الجهات
المشار إليها وأن يستغل موظف عام أو من في حكمه سلطات وظيفته كي يمد الغير بالإمكانيات
التي تتيح له الاستيلاء بغير حق على ذلك المال أو يزيل من طريقه العقبات التي كانت
تحول دون ذلك ويتعين أن يكون الجاني عالماً أن من شأن فعله الاعتداء على ملكية المال
المشار إليه وأن تتجه إرادته إلى تسهيل استيلاء الغير عليه ويشترط في الضرر كركن لازم
لقيام جريمة الإضرار العمد المنصوص عليها في المادة 116 مكرراً من القانون سالف الذكر
أن يكون محققاً أي حالاً ومؤكداً لأن الجريمة
لا تقوم على احتمال تحقق أركانها ، والضرر الحال هو الضرر الحقيقي سواء أكان حاضراً
أو مستقبلاً والضرر المؤكد هو الثابت على وجه
اليقين (2)
ودلالة على
ذلك سوف نستعرض قضية رأي عام وهى قضية سعا الخولي نائبة محافظ الاسكندرية سابقاً
مع 6 متهمين اخرين باستغلالها منصبها ونفوذها وتلقى رشاوي واستلائها على المال
العام
حيث كشفت تحقيقات
نيابة أمن الدولة العليا مع المتهمة سعاد الخولى نائب محافظ الإسكندرية و6 آخرين لاتهامهم
بالتورط فى عدة وقائع فساد تشمل الرشوة والتربح وواجهت النيابة المتهمين ببعض التسجيلات
الصوتية التى كشفت عنها الجهات الأمنية وأنكرت المتهمة بعض المكالمات واعترفت ببعضها
ومن المقرر أن يتم عرض التسجيلات على خبراء الصوت باتحاد الإذاعة والتلفزيون لإعداد
تقرير بشأنها والتأكد من صحتها.
حيث إن نيابة أمن
الدولة أصدرت عدد من الأذون اللازمة لمراقبة المتهمة والتسجيل نظرا لطول مدة التحريات
التى أعدت فى القضية واستمرار تعقب جرائم المتهمة حيث إنها متشعبة العلاقات.
وأضافت التحقيقات
أن المتهمة تقاضت مبالغ مالية وعطايا مادية ومصوغات ذهبية بقيمة تخطت المليون جنيه
من بعض المتهمين مقابل استغلال سلطاتها والإخلال بواجبات الوظيفة وإيقاف وتعطيل تنفيذ
قرارات الإزالة الصادرة لمبان أقيمت بدون ترخيص أو على أرض ملك الدولة بالمخالفة للقانون
وإعفائهم من سداد الغرامات المقررة عن تلك المخالفات مما أضر بالمال العام بحوالى
10 ملايين جنيه بالإضافة إلى تعمد المذكورة إخفاء عناصر ثروتها غير المشروعة بأسماء
آخرين تجنبا للملاحقة الأمنية كما واجهت النيابة المتهمة بالأحراز المضبوطة من مسكنها
ومقر عملها والتى تضمنت أوراقا وأموالا ومشغولات ذهبية.
وكانت النيابة
قد باشرت التحقيقات فى القضية فى ضوء ما أسفرت عنه تحريات هيئة الرقابة الإدارية وما
كشفت عنه التسجيلات المأذون بها من النيابة حيث ثبت من خلال التحقيقات واعترافات المتهمين
طلب وأخذ المتهمة سعاد عبد الرحيم الخولي مبلغ 20 ألف جنيه ومأكولات بقيمة 17 ألفا
و250 جنيها من مالكي مشروع واحة خطاب للمأكولات البدوية مقابل إنهاء إجراءات تقنين
وضع اليد على قطعة الأرض المقام عليها مباني المشروع لعدم تنفيذ قرارات الإزالة الصادر
لها وكذلك إصدار رخصة التشغيل المؤقتة للمشروع وفق برنامج (مشروعك) دون توقيع غرامات
عليه وذلك بموجب محرر زوره المتهم أكرم الدقاق مدير إدارة شئون البيئة بمحافظة الإسكندرية
بتحريض من المتهمة سعاد الخولي حيث أثبت فيه عدم وجود أية مخالفات بيئية بالمشروع.
وتبين من التحقيقات
أن سعاد الخولى طلبت من مالك شركة الإسكندرية للمقاولات العامة مبلغ 500 ألف جنيه ونفقات
أداء فريضة الحج بقيمة 205 الاف جنيه وأخذت منه مبلغ الـ 500 ألف جنيه مقابل إنهاء
إجراءات وقف تنفيذ قرار الإزالة لأربعة طوابق بالعقار ملكيته "السرايا رويال بلازا"
بطريق الجيش بمنطقة الرمل بمحافظة الإسكندرية.
وقرر قاضى المعارضات
بمحكمة المعادى الجزئية تجديد حبس المتهمين 15 يوما بعد قرار النيابة بحبسهم 4 أيام
على ذمة التحقيقات وانتهاء مدة الحبس الصادرة من النيابة اليوم لكون المتهمة قد تحفظ
عليها يوم الأحد الماضى واستمرت التحقيقات منذ لحظة القبض عليها وحتى صدور قرار النيابة
بالحبس.
واخيرا أجلت محكمة جنايات القاهرة محاكمة سعاد
الخولى نائب محافظ الإسكندرية سابقا و6 متهمين آخرين فى قضية اتهامهم بارتكاب جرائم
طلب وتقديم وتلقى رشاوى مالية لأداء موظف عمومى لعمل من أعمال وظيفته والإخلال بواجباتها
وتزوير محرر رسمى واستعماله لجلسة 24 يونيو المقبل للاطلاع.
وبعد الاطلاع على قضية سعاد الخولى فانه يتم
التحضير لتسوية المنازعات والتصالح بسبب تعديل المادة 18 من قانون الاجراءات
الجنائية والذي عليه جدل وخلاف شاسع فإن المادة 18 من قانون الاجراءات الجنائية كانت تجيز التصالح فى مواد المخالفات
والجنح التى يعاقب عليها القانون بعقوبة الغرامة ثم أضيف فى عام 1998 القانون 174 لسنة
1998 تحت بند 18 مكرر ويترتب على هذا التصالح انقضاء الدعوى الجنائية ثم أضيفت إليها
المادة 18 مكرر ( ب) من القانون رقم 16 لسنة 2015 والذى يجيز التصالح فى الجرائم المنصوص
عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات، وهى الخاصة باختلاس المال
العام، والعدوان عليه والغدر والتى تشملها المواد 112 وحتى 119 مكرر..
ثم جاء التعديل
الأخير ليجرى التصالح على الأموال العامة التى يتم اختلاسها والاستيلاء عليها شريطة
أن تتم تسوية المنازعات بشأنها من خلال لجنة من الخبراء تعرض هذه التسوية على مجلس
الوزراء لإقرارها واعتمادها ولا يكون لهذه التسوية من أثر إلا بهذا الاعتماد الذى يكون
لها قوة السند التنفيذي ويكون من شأنها انقضاء الدعوى الجنائية ووقف تنفيذ العقوبات
إذا صدرت قبل الحكم البات وإخلاء سبيل المتهمين المحكوم عليهم بأحكام باتة غير قابلة
للطعن بقرار من محكمة النقض بناء على طلب من النيابة العامة.
وهذا التصالح جوازى
وليس وجوبيا بمعنى أنه من حق الدولة قبول التصالح أو عدم قبوله ومن ثم الاستمرار فى
الإجراءات القانونية المعتادة كما أن النيابة العامة ليست ملزمة بقبول التصالح وإنما هو أمر جوازى ترى فيه السلطة العامة استخدام
حق المواءمة والملاءمة والصالح العام . (3)
وبشكل عام فإن
الهدف من أى تعديل تشريعى ينبغى أن يكون لمسايرة
تقدم المجتمع وتحقيق تطلعاته وتحقيق المصلحة العامة، ولابد أن يتفق التشريع مع الدستور
وأن يقيم توازنا بين حقوق القوى الاجتماعية فى المجتمع فالتصالح ليس عيبا فى حد ذاته وهو كفكرة لا بأس بها من حيث المبدأ،
لأن السجن لم يعد وسيلة ناجحة ، ولكن كان يجب النص على أن يرد الجانى أو شركاؤه ضعف
أو ثلاثة أضعاف المبلغ المختلس وليس قيمة المبلغ المختلس نفسه كما هو الحال فى النص
الحالي كما أنه لم يبين قيمة ما سيدفع المتهم وإنما تركه كسلطة تقديرية للجنة المختصة
المخولة بالتصالح.(4)
وإذا كان القانون
يجيز التصالح فى قضايا التهرب الضريبى والجمركي فالمتهرب هنا شخص عادي أما فى جرائم
اختلاس المال العام فمرتكبها موظف عام كان
مؤتمنا على المال العام وخان الأمانة ومن ثم لا وجه للقياس على مسألة التصالح فى الحالتين
كما أن القانون قد أعطى سلطات مطلقة لرئيس مجلس الوزراء وإذا كنا لا نشكك فى نزاهته
وحيدته وحرصه على المال العام إلا أننا نخشى أن يساء استخدام هذا الحق فى المستقبل
من قبل مسئولين آخرين لذا فإنه يجب تطبيقه على الحالات السابقة على صدوره وتحديد القيمة المالية التى يدفعها المتهم أو المحكوم
عليه بحيث لا تقل عن ثلاثة أضعاف المبلغ محل الواقعة، ولكن بشكل عام فالتعديل التشريعى
محل النقاش لا يحقق المصلحة العامة بل يشجع ذوى الضمائر الميتة على ارتكاب الجرائم
معتمدا على التصالح كمخرج للإفلات من العقوبة.
____________________________________________________
(1)
راجع : (القانون رقم 16 لسنة 2015بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر
بالقانون رقم 150 لسنة 1950 - الجريدة الرسمية
- العدد 11 (تابع) - السنة الثامنة والخمسون 21جمادى الأولى
سنة 1436هـ، الموافق 12 مارس سنة 2015م).
(2)
راجع : ( د/عبد الحكم فودة ، التعليق على قانون العقوبات: الاحكام العامة والجرائم
المضرة بالمصلحة العمومية ، منشأة المعارف بالاسكندرية، 1994 ، ص487 وما بعدها ).
(3)
راجع: ( رسالة الدكتور/ ثروت عبد الصمد محمود عطية , رقم
9 , الرقم العام 9282 , الصلح بسبب إنقضاء الدعوى الجنائية , سنة 2009 , جامعة
طنطا ).
(4)
راجع : (شريف أحمد الطباخ , الدفوع الجنائية : في ضوء
القضاء والفقه , الجزء الثاني , 2015 , ص 149 وما بعدها ).

0 التعليقات :
إرسال تعليق