المبدأ ان القوانين لا تسري بأثر رجعي اى انها تسري على
ما يحدث من وقائع بعد تاريخ نفاذها ولا آثر لها فيما وقع قبل هذا التاريخ وهذا ما يعبر
عنه بمبدأ عدم رجعية القوانين.
ويقوم هذا المبدأ على عدة اعتبارات تجعله
من اهم المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني
فالعدالة تأبى سريان القانون على الاوضاع
القانونية السابقة على نفاذه إذ ليس من العدل ان يكون الفعل مباحاً ثم يصدر قانون يعاقب
من آتاه بالأمس فالعدل يقتضي إذا جرم القانون امراً يعاقب كل من يرتكبه بعد العمل بهذا
القانون لا ان يعاقب من اتاه قبل العمل به.
كما ان المصلحة العامة تستوجب الأخذ بمبدأ
عدم رجعية القوانين فسريان القوانين على الماضي يؤدي إلى هدم الاستقرار الواجب للمعاملات
والاخلال بالنظام في المجتمع ويؤدي بالتالي إلى إضعاف ثقة الأفراد في القوانين.
وعلى المستوى الفردي يعتبر مبدأ عدم الرجعية
ضمانة هامة في المحافظة على حقوق الافراد التي تم إكتسابها في ظل القوانين المعمول
بها بحيث لا ينبغي أن يؤدي تعديل هذه القواعد أو إلغاؤها الى المساس بما تم إكتسابه
من قبل.
وبالإضافة إلى الإعتبارات السابقة فإن مبدأ
عدم الرجعية يقوم على اساس من المنطق فالقاعدة القانونية هى أمر أو تكليف بسلوك معين
والتكليف لا يتصور توجيهه إلى ما فات وإنما إلى ما هو آت.
تطبيق القانون الأصلح للمتهم :-
إن كان مبدأ عدم رجعية القوانين يقدم عادة
كأساس لحل التنازع بين القوانين في الزمان فإن هذا المبدأ يرد عليه استثناء خاص بقوانين
العقوبات الاصلح للمتهم وبمقتضى هذا الاستثناء يكون للمتهم الاستفادة من القوانين التي
تصدر بعد إرتكاب الجريمة إذا كانت أصلح له من القوانين النافذة وقت إرتكاب الجريمة.
وقد نص قانون العقوبات المصري على هذا الاستثناء
في المادة الخامسة فبعد ان قررت هذه المادة مبدأ عدم رجعية القانون الجديد قضت بأنه
" ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً قانون أصلح للمتهم فهو
الذي يتبع دون غيره وإذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من
أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية".
ويتضح من هذا النص ان القانون الجديد يعتبر
أصلح للمتهم في حالتين :-
الحالة الاولى:-
إذا كان القانون الجديد ينص على عقوبة أخف
من تلك التي كان يقضي بها القانون القديم فإنه يسري على المتهم بإعتباره القانون الاصلح
بشرط الا يكون المتهم قد حوكم وصار الحكم نهائياً أى استنفذ الحكم على المتهم كل طرق
الطعن فيه.
فالمتهم يستفيد من القانون الجديد الذي
يصدر بتخفيف العقاب حتى ولو كان صدوره تالياً لصدور الحكم في شأن الجريمة ما دام الحكم
لم يصبح نهائيا لانه لا يزال قابلاً للطعن فيه باى طريق من طرق الطعن التى يجيزها القانون.
اما إذا اصبح الحكم نهائياً وإمتنع الطعن
فيه بأى طريق من هذه الطرق فالمحكوم عليه لا يستفيد من العقوبة الاخف التي قررها القانون
الجديد.
الحالة الثانية:-
إذا كان القانون الجديد يبيح الفعل الذي
حكم على المتهم من أجله في هذه الحالة يوقف تنفيذ الحكم وتنهي آثار الجريمة حتى ولو
كان القانون الجديد قد بدأ نفاذه بعد ان صارالحكم نهائياً.
لما كان الطاعن أدين بجريمة سرقة التيار
الكهربائي المؤثمة بالمادة 317 من قانون العقوبات ، وكان القرار بالقانون رقم 87 لسنة
2015 – بإصدار قانون الكهرباء – قد صدر بعد الحكم المطعون فيه ونص في مادته الواحدة والسبعين على أنه :
" يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهركل من استولى بغير حق على التيار الكهربائي
، وتنقضي الدعوى الجنائية في حال التصالح "
وإذ كان البين من مطالعة المفردات – التي
أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً لوجه الطعن – أن الطاعن قدم دليل سداد قيمة التيار الكهربائي
محل الجريمة التي دين بها فإن القانون الجديد
يكون هو الأصلح له – المتهم – وقد صدر بعد وقوع الفعل وقبل الفصل فيه بحكم بات فإنه يكون هو الواجب التطبيق ولمحكمة النقض من تلقاء
نفسها عملاً بما هو مخول لها بمقتضى المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 – في شأن
حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض – أن تقضي بنقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم
المستأنف وبانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح .
(الطعن رقم 23921 لسنة 4 جلسة
2015/10/17)
لما كان البين من مطالعة الحكم المطعون
فيه أنه إذ دان الطاعن بجريمتي الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام استنادا
إلى المواد 113/1 ، 118 ، 118 مكرر ، 119/1 ، 119مكرر/1 من قانون العقوبات وكان القانون
رقم 16 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر بتاريخ 12 من مارس
سنة 2015 – بعد صدور الحكم المطعون فيه – نص في المادة الثانية على إضافة المادة
18 مكرراً (ب) إلى قانون الإجراءات الجنائية التي تتضمن النص على أنه يجوز التصالح
في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات ويكون
التصالح بموجب تسوية بمعرفة لجنة من الخبراء يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء
ويحرر محضر يوقعه أطرافه ويعرض على مجلس الوزراء لاعتماده ولا يكون التصالح نافذاً
إلا بهذا الاعتماد ويعد اعتماد مجلس الوزراء
توثيقاً له وبدون رسوم ويكون لمحضر التصالح في هذه الحالة قوة السند التنفيذي ويتولى مجلس الوزراء إخطار النائب العام سواء كانت
الدعوى ما زالت قيد التحقيق أو المحاكمة ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية عن الواقعة
محل التصالح بجميع أوصافها وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على
المتهمين في الواقعة إذا تم الصلح قبل صيرورة الحكم باتاً ونص في الفقرة الأخيرة من
تلك المادة على أنه وفي جميع الأحوال يمتد أثر التصالح إلى جميع المتهمين أو المحكوم
عليهم دون المساس بمسئوليتهم التأديبية ويقدم طلب التصالح من المتهم أو المحكوم عليهم
أو وكيله الخاص ويجوز للأخير اتخاذ كافة الإجراءات المتعلقة بإعادة إجراءات المحاكمة
في غيبة المحكوم عليه في الأحكام الصادرة غيابيًا
وكان النص آنف الذكر وإن كان ظاهره إجرائيًا إلا أنه يقرر قاعدة موضوعية مفادها تقييد حق الدولة
في العقاب بتقريره انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح بدلاً من معاقبة المتهم ، وهو ما
يتحقق به معنى القانون الأصلح في مفهوم نص المادة الخامسة من قانون العقوبات ما دام قد أنشأ له وضعاً أفضل ، ومن ثم فإنه يسري
من يوم صدوره على واقعة الدعوى طالما لم تنته
بحكم بات .
وكانت المادة 35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات
وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض تخول لهذه المحكمة – محكمة النقض – أن تنقض الحكم
من تلقاء نفسها لمصلحة المتهم إذا صدر بعد الحكم المطعون فيه قانوناً أصلح يسري على
واقعة الدعوى ومن ثم فإنه يتعين نقض الحكم
المطعون فيه والإعادة بغير حاجة إلى بحث باقي أوجه الطعن وذلك بالنسبة للطاعن وللمحكوم
عليه الآخر ولو لم يُقبل طعنه شكلاً لاتصال
وجه الطعن به ولوحدة الواقعة وحسن سير العدالة
(الطعن رقم 26635 لسنة 84 جلسة
2015/06/11)
معايير صلاحية القانون بالنسبة للمتهم
:-
والمعايير التي تستفاد منها الصلاحية لا
تخرج عن الآتي :-
1- إذا
كان القانون ابقى على نوعية العقوبة ونزل بالحد الاقصى المقرر وفقاً للقانون القديم
او ابقى على الحد الاقصى ونزل بالحد الادنى فإن القانون الجديد يكون هو الاصلح اما
اذا كان القانون الجديد قد ارتفع بالحد الاقصى او ارتفع بالحد الادنى فإن القانون القديم
يكون هو الواجب التطبيق وفقاً للقواعد العامة.
2- إذا
كان القانون الجديد قد غيرمن نوعية العقوبة المقررة للجريمة فالعبرة هى وضع العقوبة
الجديدة بين العقوبات الجنائية بحسب ترتيب جسامتها.
3- إذا
كان القانون الجديد قد آتى بعقوبات تبعية أو تكميلية لم يكن ينص عليها القانون القديم
فيطبق القانون القديم بينما يطبق القانون الجديد إذا كان قد ألغى كل أو بعض العقوبات
التكميلية او التبعية التي كان ينص عليها القانون القديم.
4- إذا
كان القانون الجديد يعتبر في شق منه أصلح للمتهم وفي شق أخر يسئ إلى مركز المتهم فإن
الامر يثير صعوبة مثال ذلك رفع الحد الاقصى المقرر للجريمة مع النزول بالحد الادنى
وفي مثل تلك الفروض لا يجوز بأى حال من الاحوال التوفيق بين القانونين بقاعدة تجمع
بين الاصلح فيهم للمتهم لان معنى ذلك ان القاضي يطبق قاعدة من إنشائه لا مقابل لها
في اى من القانونين والراجح فقها في مثل الفرض السابق هو ان العبرة بظروف الواقعة وظروف
المتهم.
إن إعمال الأثر الرجعي للقانون الأصلح للمتهم
يعتبر انحيازا من القاضي لضمانة جوهرية للحرية الشخصية تبلورها السياسة العقابية الجديدة
للسلطة التشريعية التي تتحدد على ضوء فهمها للحقائق المتغيرة للضرورة الاجتماعية. وهي
بعد ضرورة ينبغي أن يحمل عليها كل جزاء جنائي، وإلا فقد علة وجوده.
الوضع الخاص بالقوانين محددة الفترة
وهذا يراعي أن تطبيق قوانين العقوبات الاصلح
للمتهم على النحو السابق ليس مطلقاً ذلك ان هذا الاستثناء لا ينصرف إلى قوانين العقوبات
المؤقتة أى التي تعاقب على افعال معينة خلال فترة زمنية معينة ومن أمثلة ذلك القوانين
التي تفرض تسعيرة جبرية لبعض السلع خلال فترة الحرب او الثورة والتي تقرر عقوبة على
مخالفتها.
في مثل هذه الحالات إذا ارتكبت الجريمة
ثم انتهت الفترة المحددة لتطبيق القانون وأصبح مباحاً أو خفضت عقوبته فإن المتهم لا
يستفيد من ذلك ما دام الفعل قد ارتكب في فترة سريان القانون المؤقت.
عدم إرتداد القواعد الإجرائية بآثر رجعي
:-
ان القانون الإجرائي الجديد لا ينسحب على
الوقائع والإجراءات التي حدثت في ظل قانون قديم حتى ولو كان تطبيق هذا القانون الجديد
مصلحة للمتهم.
فإذا تم الاجراء صحيحاً وفقاً لأحكام القانون
السائد وقتها فإنه يظل صحيحاً ولو صدر قانون جديد يبطل هذا الإجراء.
وتكمن العلة في رفض تطبيق القوانين الإجرائية
بأثر رجعي ولو كانت أصلح للمتهم خلافاً لما هو مقرر بالنسبة للقوانين الموضوعية في
أمرين :
الاول:-
إن القوانين الجنائية الموضوعية تخضع لمبدأ
عدم شرعية الجرائم والعقوبات (فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني)فهذا المبدأ يجيز
رجعية نصوص التجريم متى كانت اصل للمتهم ومثل هذا المبدأ لا علاقة له بالنصوص الإجرائية
لانها لا تنشئ جرائم ولا تقرر عقوبات وإنما هى فحسب تنظم أساليب ملاحقة المتهم والتحقيق
معه ومحاكمته اى ان دورها يقتصر فقط اعمال وتنظيم الاثار المترتبة على جرائم ارتكبت
بالفعل.
الثاني:-
ان الحكم الخاص يحظر سريان النصوص الجنائية
الموضوعية بأثر رجعي إلا إذا كانت أصلح للمتهم فقد ورد في قانون العقوبات وليس في قانون
الإجراءات الجنائية فهو إذن حكم خاص بالنصوص الموضوعية ولا يمتد إلى النصوص الإجرائية
(المادة 5 من قانون العقوبات المصري)
وفي هذا المعنى تؤكد محكمة النقض المصرية
إن كل إجراء تم صحيحاً في ظل قانون يظل صحيحاً وخاضعاً لأحكام هذا القانون ولو صدر
بعد ذلك قانون يلغيه أو يعدله فإذا جرى التفتيش بموجب أمر عسكري في ظل الأحكام العرفية
القائمة فهذا الإجراء يبقى صحيحاً ولا يتأثر بإلغاء الأحكام العرفية فيما بعد.
(نقض جنائي 6 مارس 1951)
------------------------------------------------------------------
(1) راجع
: ( د/ مأمون سلامة ، قانون العقوبات: القسم العام ، دار الفكر العربي 1979 ، ص47 وما
بعدها ).
(2) راجع
: ( د/ مأمون سلامة ، قانون الاجراءات الجنائية
، دار الفكر العربي ، 1980 ، ص44 وما بعدها ).
(3) راجع
: ( د/عبد الحكم فودة ، التعليق على قانون العقوبات: الاحكام العامة والجرائم المضرة
بالمصلحة العمومية ، منشأة المعارف بالاسكندرية، 1994 ، ص22 وما بعدها ).
(4) راجع
: ( د/ حسن كيرة ، المدخل إلى القانون، دار
النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت، 1994 ، ص505 وما بعدها ).
(5) راجع
: ( د/ محمد ذكي أبو عامر ، الاجراءات الجنائية : الدعوى الجنائية ، 2018 ، ص51 وما
بعدها ).
(6) راجع
: ( د/ أحمد فتحي سرور ، الوسيط في قانون الاجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية
، 1994 ، ص69 وما بعدها ).
(7) راجع:
( د/ سليمان عبد المنعم و د/ جلال ثروت , أصول الإجراءات الجنائية , دار الجامعة الجديدة
, 2006 ).
(8) راجع:
( نقض جلسة 17/10/2015 , الطعن رقم 23921 لسنة 84ق ).
(9) راجع:
(نقض جلسة 11/6/2015 , الطعن رقم 26635 لسنة
84ق ).
(10) راجع:
(نقض جلسة 7/2/1977 , المكتب الفني السنة 28 رقم 47 ص 215).
(11) راجع ( حكم المحكمة الدستورية العليا برقم 48 لسنة 17 قضائية (دستورية) بالجلسة العلنية
المنعقدة يوم السبت 22 من فبراير 1997).
![]() |
| الباحث القانوني / كـــريم المصري |

ملخص القانون المدني الجزائري
ردحذف
ردحذفالعلاقة بين القانون الإداري و الدستوري